شهدت العقود الأخيرة تحولاً ملحوظاً في هيكلية المؤسسات العسكرية والأمنية حول العالم، حيث برز دور المرأة كعنصر فاعل في مجالات متعددة. وفي هذا السياق، تبرز تجربة المرأة اللبنانية داخل القوى المسلحة كنموذج خضع لتطورات قانونية وتنظيمية مستمرة منذ عقود، متأثراً بالتغيرات الاجتماعية والانفتاح الذي شهده المجتمع المحلي.
وتعود البدايات التاريخية لمشاركة المرأة اللبنانية في الأجهزة الأمنية إلى سبعينيات القرن الماضي، حيث كانت المديرية العامة للأمن العام أول جهاز أمني يتيح وظائف للإناث، تلتها مؤسسة الجيش اللبناني ثم المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. وقد اقتصرت هذه الأدوار في مرحلتها الأولى على الميادين الطبية والإدارية دون المشاركة في مهام قتالية مباشرة.
أما الانخراط الفعلي في صفوف الجيش اللبناني فقد بدأ ينظم قانونياً في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، حيث صدر القرار الوزاري رقم 376 في أيلول 1989 متضمناً الأحكام التطبيقية لتطويع اللبنانيات وخدمتهن في الجيش تماشياً مع مبدأ المساواة. وفي مطلع عام 1990، دعت قيادة الجيش اللبنانيات للتطوع لصالح عدة قطاعات شملت القوات الجوية والبحرية، المدرسة الحربية، شرطة الجيش، اللواء اللوجستي، فوج الإشارة، والحرس الجمهوري.
ومع بدء مرحلة إعادة التنظيم والتجهيز بعد اتفاق الطائف، صدر القرار رقم 839 في تشرين الأول 1991 لتحديد قوانين تطويع الإناث؛ إذ حدد نسبة المتطوعات في مختلف مؤسسات وزارة الدفاع الوطني بـ 10% كحد أقصى من العديد الإجمالي للعسكريين. كما نص القرار على تعيين المتطوعات في جميع الوظائف والاختصاصات باستثناء وحدات القتال المباشر والدعم القتالي المباشر، مع خضوعهن لذات التدريب المطبق على الذكور بمراعاة القدرات الجسدية في التمارين الرياضية.
وقد تطور الحضور النسائي لاحقاً عبر افتتاح دورات للضباط الاختصاصيين في المدرسة الحربية منذ عام 1992 في مجالات كطب الأسنان وإدارة الأعمال، وتدرجت العديد من المتطوعات في الرتب العسكرية. ورغم التحديات التي تواجهها المجندات في تحقيق التوازن بين الواجب العسكري والالتزامات العائلية كالأمومة، يشير الواقع الميداني إلى أن دور المرأة في الجيش تجاوز الشق الإداري البحت ليشمل وظائف متعددة في وحدات مختلفة، وسط تطلعات مستمرة للمساهمة الفاعلة في شتى المجالات المتاحة.
