16 تموز 2026

مسارات التعاون الدفاعي بين القاهرة وأنقرة: أبعاد التقارب العسكري وتأثيراته الإقليمية المحتملة

مباحثات عسكرية مصرية تركية في أنقرة لتعزيز التعاون الدفاعي المشترك

تتجه العلاقات المصرية التركية نحو مرحلة جديدة من التنسيق الأمني والعسكري المباشر، متجاوزةً مرحلة التفاهمات الدبلوماسية لتصل إلى آفاق العمل الميداني المشترك. وجاءت الزيارة الرسمية الأخيرة لوزير الدفاع المصري، الفريق أشرف زاهر، إلى العاصمة التركية أنقرة لتكرس هذا التحول؛ حيث عُقدت مباحثات موسعة مع نظيره التركي يشار غولر، ورئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية خلوق غورغون، أسفرت عن توقيع خطاب نوايا يهدف إلى وضع إطار للتعاون المشترك في مجالات التصنيع العسكري ونقل الخبرات التكنولوجية.

ويرى مراقبون أن هذا الحراك يعكس رغبة البلدين في إعادة صياغة شراكاتهما لمواجهة التحولات المتسارعة في بيئتهما الإقليمية. إذ تسعى القاهرة إلى تنويع خياراتها الأمنية لحماية مصالحها الحيوية في البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، وملف سد النهضة. في المقابل، يمثل التقارب مع مصر بوابة لأنقرة لتعزيز حضورها الجيوسياسي والاقتصادي في هذه المناطق، وربط مصالحها في الصومال والسودان بالعمق العربي، مستفيدة من التراجع النسبي لبعض القوى الإقليمية الأخرى.

ولم يكن هذا التقارب مفاجئاً، بل تطلب مساراً تدريجياً لإعادة بناء الثقة بدأ منذ عام 2021 بعد قطيعة استمرت لسنوات منذ عام 2013، وتكلل باستئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة وتبادل الزيارات الرئاسية. وترجم هذا المسار عملياً من خلال صفقات دفاعية هامة، لعل أبرزها الاتفاق المبرم في شباط 2026 لتوريد منظومة “تولغا” التركية للدفاع الجوي قصير المدى وتوطين إنتاج بعض الذخائر المدفعية عيار 155 ملم في مصر، بقيمة إجمالية قُدرت بنحو 350 مليون دولار.

كما انتقل التنسيق إلى الميدان عبر مناورات وتدريبات مشتركة؛ حيث نفذت القوات الجوية للبلدين تدريبات ثنائية في حزيران 2026، تلتها تدريبات ثلاثية مع أذربيجان على الأراضي التركية، ثم مناورات “العقاب الذهبي” في تموز 2026 بمشاركة وحدات الصاعقة والمظلات المصرية والقوات الخاصة التركية، لرفع الجاهزية في مواجهة التهديدات غير التقليدية.

وفي مقابل هذا الزخم، يثير التقارب العسكري اهتماماً وتحفظاً لدى بعض الأطراف الإقليمية، لاسيما إسرائيل واليونان اللتين ترتبطان بتنسيق وثيق مع مصر في ملفات شرق المتوسط والطاقة. ورغم الآفاق الواعدة للتكامل بين القدرات البشرية لمصر والخبرة التقنية التركية في مجال الأنظمة الدفاعية والمسيّرات، فإن تقديرات تشير إلى أن الوصول لشراكة استراتيجية كاملة قد يواجه تحديات مرتبطة بتباين الرؤى حول بعض الملفات العالقة مثل الملف الليبي، مما يجعل البراغماتية والمصالح المشتركة المحرك الأساسي لهذه المرحلة.

Sponsored