لطالما شكلت السيطرة على الممرات المائية ركيزة أساسية للنفوذ العسكري والجيوسياسي للدول الكبرى عبر التاريخ. ومع تطور التنافس الدولي، تشير التقارير المتخصصة إلى أن تقييم القدرات البحرية لم يعد يقتصر على حساب أعداد القطع البحرية فحسب، بل بات يعتمد بشكل متزايد على معايير حديثة تقيس الفعالية العملياتية والقدرات التكنولوجية للدول.
وفي هذا السياق، يبرز مؤشر “القيمة الحقيقية” (TvR) كأداة لتقييم القوة البحرية بناءً على عناصر متعددة تشمل حجم الإزاحة الإجمالية، والتطور التكنولوجي، والقدرات الهجومية والدفاعية، فضلاً عن شبكات الدعم اللوجستي والجاهزية القتالية. ويظهر هذا التصنيف تباينات لافتة، حيث تمكنت بعض الدول من حجز مواقع متقدمة بفضل مواءمة أساطيلها مع متطلباتها الجغرافية والدفاعية الخاصة.
ووفقاً للبيانات، تحافظ الولايات المتحدة الأمريكية على صدارة الترتيب العالمي بإزاحة إجمالية تبلغ نحو 8.27 ملايين طن موزعة على 232 قطعة بحرية، من بينها 11 حاملة طائرات تعمل بالطاقة النووية، و75 مدمرة مزودة بمنظومة “إيجيس”، و71 غواصة نووية. وتتيح هذه القدرات للبحرية الأمريكية العمل بشكل متزامن في مسارح عمليات متعددة تشمل المحيطين الهادئ والأطلسي، والبحرين الأحمر والمتوسط، والخليج العربي، رغم ما يفرضه ذلك من أعباء تشغيلية ولوجستية مستمرة.
في المقابل، تأتي الصين في المرتبة الثانية من حيث مؤشر القوة، رغم امتلاكها الأسطول الأكبر عدداً بـ 405 قطع بحرية وإزاحة تقارب 3.19 ملايين طن. وتستفيد بكين من قاعدة صناعية ضخمة لبناء السفن تشير التقديرات إلى تفوقها الكمي الكبير مقارنة بالقدرات الأمريكية، وتضم قوتها حالياً ثلاث حاملات طائرات مع التخطيط لزيادة هذا العدد مستقبلاً، بالإضافة إلى تشغيل نحو 60 غواصة وضمها لأكبر عدد من الأفراد بين البحريات الخمس الأولى.
وحلت روسيا في المركز الثالث بأسطول يضم 283 قطعة بحرية وإزاحة تبلغ 1.43 مليون طن، مستندة بشكل أساسي إلى قوة أسطولها من الغواصات الذي يضم 61 غواصة (منها 12 غواصة نووية استراتيجية)، وسط تحديات تواجه تحديث سفن السطح وصعوبات تشغيلية تحيط بحاملة طائراتها الوحيدة “الأدميرال كوزنيتسوف” المتوقفة عن الخدمة منذ سنوات.
أما في المركز الرابع، فقد جاءت إندونيسيا التي صممت أسطولها المكون من 245 قطعة بحرية ليتلاءم مع طبيعتها الجغرافية كأرخبيل يضم آلاف الجزر، دون الاعتماد على حاملات طائرات أو مدمرات، بل بالتركيز على الفرقاطات والكورفيتات والغواصات لحماية ممراتها الحيوية مثل مضيق ملقا. وجاءت كوريا الجنوبية في المرتبة الخامسة بـ 147 قطعة بحرية متطورة تكنولوجياً وجاهزية عملياتية عالية ترتبط بالتنسيق الأمني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وبصناعة محلية متقدمة.

