عادت النقاشات حول مستقبل منظومة الدفاع الجوي الروسية ‘إس-400’ العاملة لدى تركيا إلى الواجهة، بالتزامن مع تقارير تتحدث عن تطلع أنقرة لتجاوز هذه العقبة في سبيل استئناف التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، ولا سيما العودة المحتملة إلى برنامج مقاتلات ‘إف-35’. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن أي خطوة للتخلي عن المنظومة تواجه عقبات قانونية وسياسية بالغة التعقيد، تبرز في مقدمتها ضرورة الحصول على موافقة موسكو المسبقة لإعادة تصدير المنظومة أو نقلها إلى طرف ثالث.
وفي سياق هذه التطورات، طرحت قراءات جيوسياسية فرضية انتقال المنظومة إلى القارة الإفريقية، مستندة إلى الخبرة الطويلة لبعض دول المنطقة في تشغيل المعدات العسكرية الروسية. وجاءت كل من مصر والجزائر في مقدمة الدول التي تناولتها هذه القراءات كوجهات نظرية محتملة، نظراً لاعتمادهما التاريخي على المنظومات الروسية وتبنيهما لسياسات تنويع مصادر التسليح.
ويؤكد مراقبون أن طرح اسمي مصر والجزائر لا يستند إلى مفاوضات رسمية أو عروض فعلية، بل يندرج ضمن السيناريوهات الجيوسياسية الافتراضية لسوق السلاح الإقليمي. وتختلف العقيدة العسكرية والتوجهات التسليحية لكل من البلدين بشكل واضح؛ حيث ترتكز السياسة المصرية على إحداث توازن دقيق في علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والغرب، وهو ما تجلى سابقاً في التراجع عن صفقة مقاتلات ‘سو-35’ الروسية لصالح تعزيز الأسطول الجوي بمقاتلات ‘رافال’ الفرنسية وغيرها من المنظومات الغربية.
في المقابل، تبدي الجزائر اعتماداً أوسع على الترسانة العسكرية الروسية، وسط تقارير غير مؤكدة رسمياً حول اهتمامها بمقاتلات الجيل الخامس ‘سو-57’. ويرى خبراء أن مثل هذه التوجهات التسليحية في شمال إفريقيا قد تسهم في تنشيط التنافس العسكري الإقليمي، لا سيما مع مساعي المغرب المستمرة للحصول على مقاتلات ‘إف-35’ الأمريكية، مما يعكس حساسية التوازنات العسكرية في المنطقة.
ومن الناحية الفنية، تمتلك الأطقم العسكرية في كل من مصر والجزائر القدرات اللازمة لدمج وتشغيل منظومة ‘إس-400’ المتطورة، التي تتميز بمدى كشف وتتبع يصل إلى 400 كيلومتر. ورغم هذه القدرة الفنية، فإن الجوانب السياسية والضغوط الدولية الناتجة عن التنافس بين القوى الكبرى تظل العامل الحاسم في قرارات التسلح، وهو ما دفع القاهرة مؤخراً لتوسيع تعاونها مع شركاء دوليين آخرين مثل الصين لتقليل الاعتماد على مصدر واحد.
وفي ضوء هذه التعقيدات، قدمت أنقرة في وقت سابق مقترحات بديلة تشمل الاحتفاظ بالمنظومة الروسية تحت رقابة تركية أمريكية مشتركة لضمان عدم تشغيلها إلا في حالات استثنائية، بالتوازي مع تسريع جهودها لتطوير منظومة الدفاع الجوي المحلية المعروفة بـ’القبة الفولاذية’. وبناءً على ذلك، يظل مصير منظومة ‘إس-400’ معلقاً بمدى التوافق بين المصالح التركية والأمريكية والروسية، في حين تظل سيناريوهات انتقالها إلى دول أخرى مجرد تقديرات تحليلية تفتقر إلى أي صبغة رسمية حتى الآن.

